فصل: ما وقع من أحداث سنة ست وعشرين وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة خمس وعشرين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة:
فيها عاد الملك الناصر إلى القاهرة، وأعطى لصاحب حماه الدستور بعد ما غمره بالصدقات، ورسم له بألفي مثقال ذهب؛ وثلاثين ألف درهم؛ ومائة شقة من أفخر القماش الإسكندري، ووصل إلى حماة شاكراً ناشراً.
ذكر عمارة القصور بقرية سرياقوس والخانقاه:
في هذه السنة تكملت القصور والبساتين بسرياقوس، وهي قرية في جهة الشمال. عن القاهرة، على مرحلة خفيفة، وعمر السلطان على طريق الجادة الآخذة إلى الشام، بالقرب من العش، خانقاه، وأنزل جماعة من الصوفية بها، ورتب لهم الرواتب الجليلة، وأرسل صاحب حماة هدية تليق الخانقاه المذكورة مثل كتب وبسط وغير ذلك.
ذكر إرسال السلطان العسكر إلى اليمن:
وفيها بلغ السلطان اضطراب حال اليمن وفساد أحوال الرعية، فأرسل إليهما جيشاً، وقدم على الجيش الأمير ركن الدين بيبرس، الذي كان أمير أخور، ثم أمير حاجب، والأمير سيف الدين طينال الجاجب حينئذ، وكان توجه العسكر المذكور من الديار المصرية، في شهر ربيع الأول من هذه السنة، ووصلوا إلى اليمن وخرج إليهم الملك المجاهد ابن الملك المؤيد صاحب اليمن، وهو إذ ذاك شاب جاهل ليس له معرفة بما يجب عليه، فقصر في حق العسكر، ثم إنه لتقصيره في حقهم، استوحش منهم، ودخل قلعة تعز وعصى بها، ولم يكن مع العسكر مرسوم بملك اليمن، بل بمساعدة المذكور وتقرير أمر ولايته، ووجدوا في طريقهم مشقة عظيمة من العطش والجوع، ووصلوا إلى مصر في شوال من هذه السنة، فلم يعجب السلطان ما صدر منهم، وأنكر عليهم، واعتقل المقدم بيبرس المذكور.
وفي هذه السنة أحضر علاء الدين الطبنغا بحلب إلى حماة متوجهاً إلى خدمة السلطان، وتوجه من حماة ثالث في القعدة من هذه السنة، الموافق لثاني عشر تشرين الأول، ثم عاد وعبر على حماة وتوجه إلى حلب، تاسع وعشرين ذي القعدة المذكورة.

.ما وقع من أحداث سنة ست وعشرين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة:
أوكان أول محرم يوم الأحد وهو الموافق لثامن كانون الأول. وفيها في منصف ربيع الآخر، الموافق لحادي وعشرين آذار، خرجت بعسكر حماة ووصلت إلى القناة الواصلة من سلمية إلى حماة، وقسمتها على الأمراء والعسكر لينظفوها، فإنها كانت قد آلت إلى التلف؛ بسبب ما اجتمع فيها من الطين، فحرروها في نحو أسبوع؛ ثم عدت إلى حماة.
وفيها وصل الأمير سيف الدين أتامش متوجهاً رسولاً إلى أبي سعيد وجوبان وكان صحبته تقدمة جليلة للمذكورين وكان عبوره على حماة، وتوجهه إلى البلاد الشرقية منها في سادس جمادى الأولى وتاسع أيار.
وفيها في أوائل جمادى الآخرة عزل السلطان الأمير شهاب الدين قرطاي من نيابة السلطنة بالسواحل، وولى مكانه الأمير سيف الدين طينال الحاجب، وكان وصول طينال إلى تلك الجهة في سادس وعشرين الشهر المذكور.
وفيها يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة، وتاسع عشر أيار، وكانت وفاة مملوكي طيدمر، وكان المذكور قد صار أميراً كبيراً عندي، وكان مريضاً بالسل مدة طويلة، وجرى علي لفقده أمر عظيم، رحمه الله تعالى.
وفيها وصل رسول جوبان وصحبته طاي بضا، قرابة السلطان وكان عبوره على حماة في منتصف جمادى الآخرة.
وفيها في ثامن عشر شعبان، عاد سيف الدين من الأردو، وعبر على حماة وتوجه إلى الأبواب الشريفة.
وفيها في شعبان حضر نجم الدين صاحب حصن كيفا متوجهاً إلى الحجاز ثم بطل المسير إلى الحجاز وسار إلى عند السلطان إلى مصر، فأنعم عليه السلطان وأعاده، فعبر على حماة وتوجه إلى حصن كيفا.
وفيها حال وصوله إليها قتله أخوه، وكان أخوه مقيماً هناك، وملك أخوه الحصن، والمذكوران من ولد تورانشاه ابن الملك الصالح أيوب ابن الكامل ابن العادل ابن أيوب.
وفيها أمر السلطان بطرد مهنا وعربه، وأمرني بإرسال عسكر إلى الرحبة لحفظ زرعها من المذكورين، فجردت إليها أخي بدر الدين ومحموداً ابن أخي، واسنبغا مملوكي، فساروا إليها بمن في صحبتهم في مستهل شهر رمضان، ووصلوا وأقاموا بها وعادوا إلى حماة في حادي وعشرين ذي القعدة من السنة المذكورة، الموافق لتاسع عشر تشرين الأول.
ذكر وفاة أخي بدر الدين حسن رحمه الله تعالى:
في هذه السنة مرض أخي حسن عند وصوله من الرحبة، واشتد مرضه، وكاد مرضه حمى بلغمية، وتوفي نهار الثلاثاء مستهل ذي الحجة، وكان عمره يوم وفاته سبعاً وخمسين سنة، وكان أكبر مني بثلاث سنين، وخلف ابنين طفلين وبنتين، وأعطيت أمريته لابنه الطفل وعمره نحو ثلاث سنين، وأقمت لهم نواباً يباشرون أمورهم، ثم مرض محمود ابن أخي أسد الدين عمر، وابتدأ مرضه يوم موت أخي حسن، وقوي مرضه حتى توفي محمود المذكور يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة من السنة المذكورة، وكان بينه وبين وفاة عمه بدر الدين حسن المذكور ثلاثة عشر يوماً، وكان عمر محمود عند وفاته نحو ست وثلاثين سنة.

.ما وقع من أحداث سنة سبع وعشرين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة:
فيها عزل السلطان نائبه المقر السيفي أرغون من نيابة السلطنة بمصر، وأرسله إلى حلب نائباً بها بعد عزل الطنبغا منها، وكان عبور المقر السيفي أرغون المذكور على حماة يوم الثلاثاء سادس وعشرين المحرم، الموافق لثامن وعشرين كانون الأول، وكانت الأمطار في هذه السنة وفيها تصدق السلطان وأرسل لي حصانين من خيل برقة، أحدهما بسرج ذهب لي؛ والآخر بسرج فضة لابني محمد، ووصل بهما أمير آخور دقماق، وركبناهما يوم الخميس ثالث عشر رجب الفرد، الموافق لرابع حزيران. وفيها في يوم السبت ثالث عشر شعبان حضر من الأبواب الشريفة الأمير علاء الدين قطلوبغا، المعروف بالمغربي، وصحبته رسولا جوبان، وهما أسندمر وحمزة، وتوجه بهما وصلهما إلى البيرة مكرمين، ثم عاد قطلوبغا المغربي المذكور إلى حماة، وتوجه إلى الأبواب الشريفة، وتوفي عند وصوله.
وفيها بعد وصول المقر السيفي أرغون إلى حلب، وتوفي ابنه الكبير ناصر الدين محمد بن أرغون؛ وكان أميراً كبيراً في الدولة، وكان وفاته يوم الأربعاء سابع عشر شعبان المذكور.
ذكر أخبار أبي سعيد وجوبان:
وكان أبو سعيد ملك التتر صبيا عند موت أبيه خربندا، فقام بتدبير المملكة جوبان، ولم يكن لأبي سعيد معه من الأمر شيء حسبما تقدم ذكره، ولما كبر أبو سعيد ووجد أن الأمر مستبد به جوبان، وليس له معه حكم، أضمر لجوبان السوء، وكن جوبان قد سلم الأردو لابنه خواجا دمشق، فحكم خواجا دمشق على أبي سعيد، فاتفق في هذه السنة أن جوبان سار بالعساكر إلى خراسان، واستمر ابنه خواجا دشق حاكماً في الأردو، وكان الأردو إذ ذاك بظاهر السلطانية، وكان خواجا دمشق يروح سراً بالليل إلى بعض خواتين خربندا، فلما خرج شهر رمضان من هذه السنة، ودخل شوال، وتوجه خواجا دمشق في الليل ودخل القلعة ونام عند تلك الخاتون، وكان هناك امرأة أخرى عيناً لأبي سعيد عليها، فأرسلت تلك المرأة وخيرت أبا سعيد بالخبر، واسم المرأة التي هي عين أحجل. ولقلعة السلطانية بابان، فأرسل أبو سعيد عسكراً، ووقفوا على الباب، وأحس خواجا دمشق بذلك، فحمل وخرج من الباب الواحد، فضربوه وأمسكوه وقصدوا إحضاره ممسوكاً بين يدي أبي سعيد، فأرسل أبو سعيد وقال لهم اقطعوا رأسه وأحضروه، فقطعوا رأس خواجا دمشق المذكور، وأحضروه إلى بين يدي أبي سعيد، وبقي المغل يرفسون رأسه، وجمع أبو سعيد كل من قدر عليه، وخاف من جوبان، وأرسل إلى العسكر الذي مع جوبان فيهم بأنه قد عادى جوبان، ولما بلغ جوبان ذلك، سار من خراسان بمن معه من العسكر طالباً أبا سعيد، وسار أبو سعيد إلى جهته، حتى تقارب الجمعان عند مكان يسمى صاري قماش، أي القصب الأصفر، وذلك على مراحل يسيرة من الري، ولما تقارب الجمعان فارقت العساكر عن آخرها جوبان، ورحلوا عنه إلى طاعة أبي سعيد، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، فلم يبق مع جوبان غير عدة يسيرة، فابتدر جوبان الهرب وقصد نواحي هراة، واختفى خبره، ثم ظهر في السنة الأخرى ثم عدم قيل إنه قتل بهراة، قتله صاحبها، وقيل غير ذلك، وتتبع أبو سعيد كل من كان في المملكة من أولاده والزامه فأعدمهم، واستقرت قدم أبي سعيد في المملكة، وكان أبو سعيد يهوى بنت جوبان واسمها بغداد، وكانت مزوجة للأمير حسن بن أقبغا، وهو من أكبر أمراء المغلة، فطلقها أبو سعيد منه وتزوجها أبو سعيد، وبقيت عند أبي سعيد في منزلة عظيمة جداً.
ذكر سفري إلى الأبواب الشريفة:
في هذه السنة، رسم السلطان لي بالحضور إلى أبوابه الشريفة، لأكون في خدمته في صبوده، فخرجت من حماة يوم الاثنين رابع ذي القعدة، الموافق للحادي والعشرين من أيلول، وأتممت السير أنا وابني محمد حتى وصلنا إلى بلبيس ونزلنا على عيثة، وهي قرية خارج بلبيس من جهتها الجنوبية، فمرض ابني محمد المذكور مرضاً شديداً، وأرسل السلطان إلي خيلاً بسروجها لي ولابني ووصلني ذلك إلى بير البيضا، وأنا في شدة عظيمة من الخوف على ولدي، واستمر مرضه يتزايد، والتقيت بالسلطان وقبلت الأرض بين يديه يوم السبت، مستهل ذي الحجة بظاهر سرياقرس، ونزلنا بسرياقوس والسلطان يبالغ في الصدقة بأنواع التشاريف والخيول والمآكل، وأنا مشغول الخاطر، وأقمنا بسرياقوس بالعمائر التي أنشأها السلطان هناك، وأرسل السلطان أحضر رئيس الأطباء إذ ذلك. وهو جمال الدين إبراهيم بن أبي الربيع المغربي، فحضر إلى سرياقوس وبقي يساعدني على العلاج، ثم رحل السلطان من سرياقوس ودخل القلعة، وأرسل إلي حراقة، فركبت أنا وابني محمد فيها، وكان إذ ذاك يوم بحرانة يعني سابع أيام الرض، وهو يوم الخميس، سادس ذي الحجة، ونزلت بدار طقزتمر على بركة الفيل، وأصبح يوم الجمعة المرض منحطاً ولله الحمد، فإنه أفسح بالبحران المذكور، وأقمت تحت ظل صدقات السلطان وبقي يحصل لي عوائق عن ملازمة خدمة السلطان بسبب مرض الولد، فإن الحمى بقيت تعاوده بعد كل قليل، والسلطان يتصدق ويعذرني في انقطاعي ويرسم لي بذلك رحمة منه وشفقة علي، وبقي عنده من مرض ابني أمر عظيم، وبقيت أتردد مع السلطان في هذه النوبة في الصيف في أراضي الجيزة، وأراضي المنوفية، حتى خرجت هذه السنة.

.ما وقع من أحداث سنة ثمان وعشرين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة:
وكان أول المحرم من هذه السنة يوم الاثنين وكنا بالقاهرة كما تقدم، وخلع علي السلطان في هذا اليوم قباً مذهباً بطرز ذهب مصري، لم يعمل مثله في كبره وحسنه.
ذكر خروج السلطان إلى عند الأهرام واستحضار رسل أبي سعيد:
ثم عدى السلطان إلى الجيزة ونزل عند الأهرام، واستحضر هناك رسل أبي سعيد، ووصلوا مبشرين بهروب جوبان ونصرة أبي سعيد عليه، واستقراره في الملك، وأنه مقيم على الصلح والمحبة، وقصدوا من السلطان استمرارالصلح، فاستحضر السلطان الرسل عند الأهرام في الدهليز الشريف وكان الدهليز جميعه جتره، وشقته من أطلس معدني ونخ مذهب عال، وكان ذلك يوم الأحد ثامن وعشرين لمحرم وثلاث عشر كانون الأول، وكان الرسل ثلاثة نفر، كبيرهم شيخ كأنه كردي الأصل يسمى أرش بغا، والثاني أياجي، والثالث برجا قرابة الأمير بدر الدين جنيكي، وكان يوماً مشهوداً، وأنزل السلطان الرسل في خيمة أعدها السلطان لهم، وأدر السلطان عليهم الإنعامات الوافرة، وبالغ في الإحسان إليهم، ثم إنه سفرهم وأنعم على كل من في صحبتهم من أتباعهم، وكانوا نحو مائة نفر، وسافر الرسل المذكورون من تحت الأهرام يوم الأربعاء مستهل صفر، ودخلوا القاهرة وتوجهوا منها عائدين إلى أبي سعيد، وهم مغمورون بصدقات السلطان، ثم إن السلطان دخل إلى القلعة يوم الأحد ثاني عشر صفر، وكانت غيبته نحو خمسة وثلاثين يوماً، ثم خرجنا إلى سرياقوس يوم الخميس سلخ صفر، وفي يوم الجمعة غد النهار المذكور، خلع علي وعلى ابني محمد تشاريف حسنة فوق العادة، وكذلك أوصلنا بالحوائص الذهب المجوهرة، وبالقماش الفاخر مما يعمل للخاص الشريف بدار الطراز بالإسكندرية، ووصلني من الصناقر والصقور والشواهين عدة كثير، ثم وصلني بعد ذلك كله بثلاثة آلاف دينار مصرية، ورسم لي بالدستور والعود إلى بلادي، فودعته عند بحر ابن منجا يوم السبت ثاني ربيع الأول، وسرت حتى دخلت حماة يوم الجمعة بعد الصلاة، ثاني وعشرين ربيع الأول من هذه السنة، الموافق الخامس شباط.
وفيها قبل دخولي حماة توفيت والدتي رحمها الله تعالى، يوم الخميس حادي وعشرين ربيع الأول، ورابع شباط، وكنت إذ ذاك قريب حمص، فلم يقدر الله لي أن أراها ولا حضرت وفاتها، وكانت من العبادة على قدم كبير.
وفيها بعد وصولي إلى حماة بمدة يسيرة أرسلت وطلبت من السلطان دستوراً لزيارة القدس الشريف، فرسم لي بالتوجه إليه، فخرجت من حماة يوم الثلاثاء سلخ جمادى الأولى الموافق لثاني عشر نيسان، وتوجهت على بلد بارين إلى بعلبك إلى كرك نوح، وانحدرت منها إلى الساحل، ونزلت ببيروت وسرت منها إلى صيدا وصور ثم إلى عكا ثم إلى القدس، وسرت إلى الخليل صلوات الله عليه، ثم عدت إلى حماة ودخلتها يوم السبت خامس وعشرين جمادى الآخرة.
وفيها بعد وصولي من القدس وصلني من صدقات السلطان على العادة في كل سنة، من الحصن البرقية اثنان بالعدة الكاملة، لي ولابني، صحبة علاء الدين أيدغدي أمير أخور، وركبناهما بالعسكر على العادة يوم ثاني عشر رجب من هذه السنة. وفيها أرسلت التقدمة من الخيل وغيرها على عادتي في ذلك كل سنة، صحبة لاجين، وكان خروجه بها من حماة يوم السبت ثاني شعبان.
وفيها عبر على حماة سيف الدين أروج رسولاً من السلطان، وتوجه إلى أبي سعيد، وكان ذلك في أواخر ربيع الأول، ثم عاد بعد أن أدى الرسالة وعبر على حماة في سادس عشر شعبان من هذه السنة، متوجهاً إلى الأبواب الشريفة.
ذكر أخبار تمرتاش بن جوبانكان:
تمرتاش المذكور في حياة أبيه جوبان قد صار صاحب بلاد الروم، واستولى على جميع بلادها من قونية إلى قيسارية وغيرهما من البلاد المذكورة، فلما انقهر أبوه وهرب كما ذكرناه، ضاقت بتمرتاش المذكور الأرض، ففارق بلاده وسار في جمع يسير نحو مائتي فارس أو أقل أو أكثر إلى الشام، ثم سار منها إلى مصر إلى صدقات السطان، وكانت نفس المذكور كبيرة جداً بسبب كبر أصله في مغل وكبر منصبه، ولم يكن له عقل يرشده إلى أن يجعل نفسه حيث جعله الله تعالى، ووصل المذكور إلى صدقات السلطان بالديار المصرية في العشر الأول من ربيع الأول، فتصدق عليه السلطان وانعم عليه الإنعامات الجليلة، وأعرض عليه إمرية كبيرة وإقطاعاً جليلاً، فأبى أن يقبل ذلك، وأن يسلك ما ينبغي، واتفق أن الصلح قد انتظم بين السلطان وبين أبي سعيد، وكان أبو سعيد يكاتب ويطلب تمرتاش المذكور بحكم الصلح وما استقر عليه القواعد، فرأى السلطان من المصلحة إمساك تمرتاش المذكور، وانضم إلى ذلك ما بلغ السلطان عنده أنه أخذ أموال أهل بلاد الروم وظلمهم الظلم الفاحش، فأمسكه السلطان واعتقله في أواخر شعبان من هذه السنة، ثم حضر أباجي رسول أبي سعيد، فبالغ في طلب تمرتاش المذكور، فاقتضت المصلحة إعدامه، فأعدم تمرتاش المذكور في رابع شوال من هذه السنة بحضرة أباجي رسول أبي سعيد.
وفيها وصل أباجي رسول أبي سعيد وعبر على حماة في أواخر شعبان، وصحبته أرلان قرائب والدة السلطان وتوجه إلى الأبواب الشريفة بسبب تمرتاش، وكان من أمره ما شرح، وعاد أباجي رسول المذكور من الأبواب الشريفة، وعبر على حماة في التاسع عشر من شوال وتوجه إلى جهة أبي سعيد.
وفيها يوم الأحد تاسع عشر ذي القعدة توفي مملوكي أسنبغا، وكان قد بقي من أكبر أمراء عسكر حماة رحمه الله.